
أطفال داخل مخيم للنازحين في سوريا يحدوهم الأمل رغم الصعاب (pixls)
وائل بدران (أبوظبي)
عصفت الأزمة الأوكرانية بالعالم، دافعة بملايين النازحين واللاجئين الإضافيين من أوكرانيا إلى أنحاء الدول الأوروبية ليتجاوز إجمالي العدد عالمياً مئة مليون، وتسببت في أزمات سياسية واقتصادية ليس فقط في القارة العجوز، وإنما في أنحاء العالم، محدثة اضطرابات اجتماعية ومعيشية، وفاقمت خصوصاً من معاناة النازحين واللاجئين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفيما انهمك قادة الدول الغربية بمعالجة أزمات مواطنيهم، واستيعاب الفارين من المعارك في أوكرانيا المجاورة، ازدادت أزمات اللاجئين والنازحين في المنطقة سوءاً على سوءها، وتراكمت عليهم المآسي من مجاعات وحروب وجائحة، وصولاً إلى إغلاق أبواب الدول الأوروبية، التي اعتادت على احتضانهم، في وجوههم وانشغال العالم عن تمويل المساعدات الإنسانية، التي تساعد في سد رمقهم بنذر يسير من احتياجاتهم الأساسية.
تداعيات مأساوية أكدها لـ«دبلومة الإعلام الرقمي» بالجامعة الأميركية في القاهرة، مستشار المفوض السامي وممثل مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لدى دول مجلس التعاون الخليجي، خالد خليفة، الذي أوضح أن اندلاع الأزمة الأوكرانية، في 24 من فبراير الماضي، تسبب في نشوء أسرع وأكبر أزمة نزوح قسري منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما رفع الرقم ليتجاوز حاجز الـ100 مليون شخص بين لاجئ ونازح داخلياً وطالب لجوء.
وأكد خليفة وجود فجوة في التمويل اللازم لتوفير الاحتياجات الأساسية للاجئين والنازحين من منطقة الشرق الأوسط، بفعل انشغال الدول الغربية، والدول المانحة، في مساعدة ملايين إضافيين من جيرانهم الأوروبيين.
الدول الغربية المانحة منشغلة في مساعدة ملايين إضافيين من جيرانهم الأوروبيين
خالد خليفة
الأزمة الأوكرانية جاءت بعد عام حافل بالمآسي، فمع استمرار جائحة كورونا في التأثير على العالم في عام 2021، وصل أكثر من 123 لاجئ ومهاجر إلى أوروبا، بزيادة 29 في المئة مقارنة بعام 2020، غالبيتهم وصول عن طريق البحر إلى إيطاليا، وخلال رحلتهم بالغة الخطورة، مات أكثر من ثلاثة آلاف وفقد آخرون، بحسب أحدث البيانات الصادرة عن مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
ويشير خليفة إلى أن هذه الأعداد هي المسجلة فقط لدى المفوضية، وهناك أعداد أخرى كبيرة لكنها مسجلة عن طريق «دول المقصد»، التي يصل إليها المهاجرون غير الشرعيين براً وبحراً.
ويشير تقرير مفوضية اللاجئين إلى أن العام الجاري يشهد نقصاً كبيراً في تمويل 12 من أنشطتها المرتبطة بالنازحين قسراً، بقيمة إجمالية قدرها 612 مليون دولار مقارنة بالعام 2021.
والمفارقة أن نقص تمويل أنشطة المفوضية الأوروبية، يأتي على رغم من سخاء الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، تجاه أوكرانيا، التي تلقت مليارات الدولارات في صورة مساعدات إنسانية، وتعهدات بالمزيد من هذه الدول، ربما لاعتبارات سياسية.
ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «ولونجونج» الأسترالية، والباحث في معهد الشؤون الأمنية والدفاعية العالمية، الدكتور جون سيكو، إن الدول الغربية كانت توجه استثمارات كبيرة في الدول النامية من أجل ضمان عدم خروج مهاجرين من دول المصدر، لكن أصبح الأمر ينطوي على مشكلة كبيرة، لأنه بسبب الأزمة في أوكرانيا وخصوصاً ما يتعلق بارتفاع تكلفة المعيشة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في الغرب مع ارتفاع سعر الدولار، أصبح توفير التمويل اللازم يشكل تحدياً كبيراً.
وقبل أزمة أوكرانيا، لم تكن ميزانيات الدول المانحة للمساعدات الإنسانية كافية لمواجهة الأزمات في دول مثل سوريا واليمن.
وأضاف: «إذا نظرنا أيضاً إلى المهاجرين إلى الدول الغربية، فإنهم لا يأتون من الدول الأشد فقراً، وإنما من دول تمثل شريحة أعلى، لذا، فإن فكرة أن الاستثمار في الدول الفقيرة والأشد فقراً تعني أن الناس لن يهاجروا هو أمر أصبح محل تفكير من قبل أوروبا».
ولفت سيكو إلى أن الدول الأوروبية تحاول البحث عن طرق أكثر فاعلية من أجل منع الهجرة من المصدر، خصوصاً من أفريقيا والشرق الأوسط، والتأكد من تراجع معدلات الهجرة، معتبراً أنه لا أحد لديه حلاً ملائماً لذلك.
وقال: لا أرى أي شيء في الأفق خلال السنوات المقبلة من شأنه أن يغير هذه الدينامية.
والأزمة الأوكرانية التي دخلت شهرها التاسع، اندلعت عندما أعلنت روسيا شنّ هجوم بزعم الدفاع عن «قوميين روس» يعيشون في شرق أوكرانيا، الدولة السوفيتية السابقة، إلى جانب تخليص الأوكرانيين من «النازيين الجدد»، لكن أوكرانيا ومعها الدول الغربية تعتبر الهجوم الروسي بدافع الاحتلال وضم أراضيها.
الدول الغربية كانت توجه استثمارات كبيرة في الدول النامية من أجل ضمان عدم خروج مهاجرين من دول المصدر، لكن أصبح الأمر ينطوي على مشكلة كبيرة
جون سيكو
وذكر سيكو أن الحرب الأوكرانية تسببت بالفعل في أزمة لجوء كبيرة داخل أوروبا، وعبر ملايين اللاجئين الحدود إلى بولندا وألمانيا وأنحاء أوروبا، وفي الوقت ذاته هناك لا يزال هناك طلب كبير على الهجرة إلى أوروبا من الشرق الأوسط وأفريقيا، وما يحدث يشكل مشكلة سياسية، ففي حين اضطرت أوروبا إلى قبول ملايين اللاجئين الأوكرانيين خلال الأشهر الماضية، تراجعت الرغبة في قبول اللاجئين من الشرق الأوسط وهو ما يشكل ازدواجية معايير، فلابد من الاعتراف بأن هذه ازدواجية معايير لأنه لا تزال هناك أزمات لجوء ضخمة في أماكن أخرى في العالم.
يحدث ذلك فيما يؤكد الوسيط الأممي في الأزمة السورية غير بيدرسون، أن أكثر من 12 مليون سوري يجدون صعوبة في الحصول على ما يكفي من الطعام، وقد تجمد كثير من الأطفال حتى الموت في مخيمات بإدلب، كما تحذر الأمم المتحدة من أن أكثر من 16 مليون يمني معرضون لخطر المجاعة.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، في الثامن والعشرين من أكتوبر الجاري، من تراجع مقلق في تمويل العمليات الإنسانية باليمن، وأشارت إلى أنها قدمت الإغاثة لأكثر من 7.6 ملايين شخص العام الماضي.
ورغم ذلك، يستبعد أستاذ العلاقات الدولية جون سيكو، في تصريحات خاصة لـ«دبلومة الإعلام الرقمي»، عودة الاهتمام الأوروبي قريباً بقضايا اللاجئين والنازحين في الشرق الأوسط، قائلاً: «إذا نظرنا إلى الوضع السياسي في أوروبا راهناً، وخصوصاً في غرب أوروبا، سنجد وصول حكومة يمينية متطرفة في أوروبا، وماكرون يواجه تحديات كبيرة في فرنسا من اليمين المتطرف، بينما تعاني المملكة المتحدة من فوضى في جوانب كثيرة، وألمانيا مشغولة بأزمة الطاقة شديدة ستواجهها في الشتاء».
وأضاف: «لذا، لا توجد دولة في أوروبا لديها رغبة في قبول مزيد من اللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا، ومع ذلك ستبقى مشكلة الهجرة غير الشرعية تشكل معضلة».
من جانبه يقول المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الدولية طه حسيب، إن الحرب الأوكرانية شكلت تحدياً كبيراً أمام المجتمع الدولي على صعيد غوث اللاجئين فنحن أمام أكبر وأسرع عملية نزوح من العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فهناك قرابة عشرة ملايين لاجئ أوكراني تركوا بلادهم منذ 24 فبراير مع بدء الهجوم الروسي، ولهذا تأثير سلبي على بقية اللاجئين في العالم وعلى الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذاتها.
وأضاف: «يشكل ذلك معضلة كبيرة، لأن ضعف الاقتصاد يدفع بكثير من الشباب إلى الهجرة، وخصوصاً غير الشرعية، في الوقت الذي ترفض فيه الدول الأوروبية قبول مزيد من المهاجرين واللاجئين، مع تراجع تمويلهم للمساعدات الإنسانية للنازحين داخلياً في المنطقة».
ويقول حسيب لـ«دبلومة الإعلام الرقمي»: «هناك اهتمام وحشد أوروبي كبير لرعاية اللاجئين الأوكرانيين، فهناك 7 ملايين لاجئ أوكراني جرى تسجيلهم بالفعل في الدول الأوروبية كلاجئين رسميين، وهو ما يتطلب مساعدات إنسانية وتكاليف مالية واقتطاع من الميزانيات المخصصة لغوث اللاجئين في العالم».
وتابع: «نحن أمام تحدٍ كبير لأن أوروبا كانت المقصد الأول للاجئين من الشرق الأوسط، لذا أصبح هناك اهتمام ودعم إنساني ومالي أقل باللاجئين من المنطقة».
واعتبر حسيب أن أوروبا لم تعد هي المقصد الأول من اللاجئين من الشرق الأوسط، لأن أوروبا أصبحت الآن منغمسة أكثر في الأزمة الأوكرانية، وبالتالي هناك اهتمام أقل بلاجئي الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن اللاجئين ربما يبحثوا عن أماكن أخرى مثل الولايات المتحدة أو أستراليا ونيوزيلندا لكن ذلك يشكل تحدياً كبيراً، ويعرض اللاجئين لمزيد من المخاطر، في غياب توافر الإمكانيات المادية.
وأوضح أن ذلك يتطلب من الدول المانحة تقديم مزيد من الدعم والتسهيلات للاجئين من الشرق الأوسط، وتوفير وجهات أخرى بديلة عن أوروبا.
فهل يواصل العالم تجاهله لمأساة أكثر من مئة مليون نازح ولاجئ، يشكلون في مجملهم أكثر من تعداد سكان كثير من الدول مجتمعة؟ وهل تتوقف الحرب في أوكرانيا ليتمكن العالم من التركيز على التعافي من تبعات الأزمات المتلاحقة صحية واقتصادية وسياسية؟

